مجمع البحوث الاسلامية

635

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

شيء ممّا أحلّ اللّه لعباده المؤمنين على نفسه ، من طيّبات المطاعم والملابس والمناكح إذا خاف على نفسه بإحلال ذلك بها بعض العنت والمشقّة ، ولذلك ردّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم التّبتّل على ابن مظعون ؛ فثبت أنّه لا فضل في ترك شيء ممّا أحلّه اللّه لعباده ، وأنّ الفضل والبرّ إنّما هو في فعل ما ندب عباده إليه ، وعمل به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وسنّه لأمّته ، واتّبعه على منهاجه الأئمّة الرّاشدون ؛ إذا كان خير الهدي هدي نبيّنا محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم ، فإذا كان كذلك تبيّن خطأ من آثر لباس الشّعر والصّوف على لباس القطن والكتّان إذا قدر على لباس ذلك من حلّه ، وآثر أكل الخشن من الطّعام وترك اللّحم وغيره حذرا من عارض الحاجة إلى النّساء . قال الطّبريّ : فإن ظنّ ظانّ أنّ الخير في غير الّذي قلنا ، لما في لباس الخشن وأكله من المشقّة على النّفس ، وصرف ما فضل بينهما من القيمة إلى أهل الحاجة ، فقد ظنّ خطأ ؛ وذلك أنّ الأولى بالإنسان صلاح نفسه وعونه لها على طاعة ربّها ، ولا شيء أضرّ للجسم من المطاعم الرّديئة ، لأنّها مفسدة لعقله ومضعفة لأدواته الّتي جعلها اللّه سببا إلى طاعته . وقد جاء رجل إلى الحسن البصريّ ، فقال : إنّ لي جارا لا يأكل الفالوذج ، فقال : ولم ؟ قال : يقول لا يؤدّي شكره ، فقال الحسن : أفيشرب الماء البارد ؟ فقال : نعم . فقال : إنّ جارك جاهل ، فإنّ نعمة اللّه عليه في الماء البارد أكثر من نعمته عليه في الفالوذج . قال ابن العربيّ : قال علماؤنا : هذا إذا كان الدّين قواما ، ولم يكن المال حراما ، فأمّا إذا فسد الدّين عند النّاس وعمّ الحرام فالتّبتّل أفضل ، وترك اللّذّات أولى ، وإذا وجد الحلال فحال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أفضل وأعلى . قال المهلّب : إنّما نهى صلّى اللّه عليه وسلّم عن التّبتّل والتّرهّب من أجل أنّه مكاثر بأمّته الأمم يوم القيامة ، وأنّه في الدّنيا مقاتل بهم طوائف الكفّار ، وفي آخر الزّمان يقاتلون الدّجّال ؛ فأراد النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أن يكثر النّسل . ( 6 : 260 ) أبو حيّان : [ نقل شأن نزول الآية ثمّ قال : ] ومعنى لا تحرّموها : لا تمنعوا أنفسكم منها لمنع التّحريم ، ولا تقولوا : حرّمناها على أنفسنا مبالغة منكم في العزم على تركها ، تزهّدا منكم وتقشّفا ، وهذا هو المناسب لسبب النّزول . وقيل : المعنى لا تحرّموا ما تريدون تحصيله لأنفسكم من الحلال بطريق غير مشروع ، كالغصب والرّباء والسّرقة ، بل توصّلوا بطريق مشروع من ابتياع واتّهاب وغيرهما . وقيل : معناه لا تعتقدوا تحريم ما أحلّه اللّه لكم ، وقيل : لا تحرّموا على أنفسكم بالفتوى ، وقيل : لا تلتزموا تحريمها بنذر أو يمين ، لقوله لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ . وقيل : خلط المغصوب بالمملوك خلطا لا يتميّز منه فيحرّم الجميع ، ويكون ذلك سببا لتحريم ما كان حلالا . ( 4 : 9 ) نحوه الشّربينيّ . ( 1 : 392 ) الكاشانيّ : أقول : ليس في مثل هذا الخطاب والعتاب منقصة على المخاطب والمعاتب إن لم يكن محمدة ، نظيره قوله تعالى : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ